محمد الغزالي
357
فقه السيرة ( الغزالي )
رسول اللّه إلى هرقل عظيم الرّوم ، سلام على من اتّبع الهدى ، أمّا بعد : فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، يؤتك اللّه أجرك مرّتين ، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين : و يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 64 ] » « 1 » . وقد هاجت حاشية هرقل لاكتراث القيصر بهذه الرسالة ، وازدادوا هياجا عندما عرض عليهم - لا ندري جادا أم هازلا - أن يعتنقوا هذا الدّين ! . وهرقل - في نظرنا - رجل سياسيّ ، وأمر الدين لا يعنيه إلا بقدر ما يدعم ملكه ، وينمّي قوته ، وقد تولّى شؤون الدولة في وقت كانت الخلافات الكنسيّة حول طبيعة المسيح تغلي غليان المرجل ، وتثير في الأمة انقسامات مخيفة ، وقد حاول التقريب بين وجهات النظر المتباينة ، وجمع الكنائس المتخاصمة على مذهب واحد فعجز ، وتمرّد عليه اليعاقبة وغيرهم في مصر والشام . فالكلام في الإلهيات ليس غريبا عليه ، والتقريب بين وجهات النظر لمصلحة الدولة - ديدنه ، ولعلّه في أعماق قلبه يحسّ سخف أولئك المختلفين جميعا . وربّما تألقت في نفسه لوقت محدود فكرة الخروج من عقيدة التثليث إلى بساطة التوحيد ثم انطفأت ؛ لما ستجرّه على الدولة من خلاف أشقّ في وهمه ، وأمر المملكة - عنده - أهمّ من أي شيء اخر . وشاءت لباقة قيصر السياسي أن يستدعي دحية ، وأن يحاول إيهامه بأنّه مسلم ! ثم أعطاه قدرا من الدنانير . . وصرفه ! . وعاد دحية إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالنبأ ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « كذب عدوّ اللّه ، ليس بمسلم » ، وأمر بالدنانير فقسمت على المحتاجين « 2 » .
--> ( 1 ) حديث صحيح من قوله : « وتناول قيصر . . . » إلى هنا ، أخرجه البخاري : 3 / 31 - 32 ؛ ومسلم : 5 / 165 - 166 ، عن ابن عباس . ( 2 ) أخرجه أبو عبيد في الأموال ، ص 255 ، عن بكر بن عبد اللّه المزني ، وإسناده صحيح ، لكنه مرسل ، بيد أن الزرقاني نقل في ( شرح المواهب ) : 3 / 240 ، عن « الفتح » : أنه في مسند أحمد أيضا ، فلينظر فإنه لم يذكر صحابيه .